السيد محمد تقي المدرسي
122
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
وقديما حين كانت اللغات بدائيّة ، كانت بعض اللغات تُعبِّر عن العلاقات أيضا بأسماء ، مثلا يقولون : ( الانسان فوق الفرس ، المشي هو الانسان ) ولكن مع الزمن وعند تطوّر اللغة فُرِّغَت كلمات الربط من استقلالها وفُنِيَت في الأسماء ، ولذلك فإنَّ التعبير عن الحروف في أدبيات بعض اللغات هو أنّها كلمات فارغة بينما يُعبِّرون عن الأسماء بأنها كلمات مليئة . يقول ( فندريس ) : « وأوضح أمثلة هذا النوع ، « 1 » تلك اللغات التي تُميِّز بين طائفتين من الكلمات : طائفة الكلمات الفارغة وطائفة الكلمات المليئة - على حد تعبير المصطلحات الصينية - فالكلمات المليئة هي ( دوال الماهية ) والكلمات الفارغة ( دوال النسبة ) . » ثم قال : وهذه « الأدوات النحويّة التي تستعملها اللغات ليست إلا بقايا من كلمات مستقلة قديمة افرِغت عن معناها الحقيقي واستُعمِلت مجرد موضِّحات أي مجرد رموز « 2 » » . ولأنَّ النسبة التي نجدها في الأفعال هي بيان العلاقة بين اسمين فإنّها أيضا معنى حرفي ، وهكذا انقسم ما يُعبِّر عن الرابط بين حقيقتين بما هو مستقل بياناً ( مثل حروف الجر ) أو غير مستقل ظاهراً مثل الفعل ، فإنه ينطوي على نسبة حَدَثٍ ( وهو ما يُسمّى باسم معنى ) إلى اسم مثل ( ضَرَبَ عليٌ ) وقد يكون غير مستقلٍ وغير ظاهرٍ مثل جملة ( علي أخوك ) فإنّ نسبة علي إليك عبر جملة اسمية غير ظاهرة إلا في طبيعة تركيب الجملة ( وهكذا فإنّ في الجملة أيضاً معنى حرفيّاً ) . حوار حول معنى الحروف بعد بيان هذه النظرة دعنا نتأمّل فيما ساقه النُّحاة ومن بعدهم علماء الأصول في معنى الحرف ، علما بأنَّ النحو هو المحل المناسب لمعرفة حقيقة اللغة ، وإنَّ في كلمات النُّحاة إضاءات في هذا الحقل ، إلا أنَّ علماء الأصول كانوا أكثر تعمّقاً ، وربما بسبب إستخدامهم لغة الفلسفة ومنطقها في التعمق في معرفة أبعاد اللغة . لقد ذهب النحاة إلى وجود إختلاف حقيقي بين الحرف من جهة والاسم والفعل من جهة أخرى ، حيث عَبَّر سيبويه عن ذلك بأنّ الحرف « جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل « 3 » » .
--> ( 1 ) - أي : « خلّو الحرف من المعنى عند انفراده عن الجملة » حسب تعبير ابن الحاجب . ( أنظر : البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 206 ) . ( 2 ) - البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 207 . ( 3 ) - المصدر ، ص 200 ، عن : ( الكتاب لسيبويه ، 1 / 2 ) .